عمر السهروردي

203

عوارف المعارف

بل إذا كان ذلك الصوت من أمرد يخشى بالنظر إليه الفتنة ، أو من امرأة غير محرم ، وإن وجد من الأذكار والأفكار ما ذكرنا ، يحرم سماعه لخوف الفتنة لا لمجرد الصوت ، ولكن يجعل سماع الصوت حريم الفتنة ، ولكل حرام حريم ينسحب عليه حكم المنع لوجه المصلحة ، كالقبلة للشاب الصائم ، حيث جعلت حريم حرام الوقاع ، وكالخلوة بالأجنبية وغير ذلك . فعلى هذا قد تقتضى المصلحة المنع من السماع إذا علم حال السامع وما يؤديه إليه سماعه ، فيجعل المنع حريم الحرام وهكذا . وقد ينكر السماع جامد الطبع ، عديم الذوق ، فيقال له : العنين لا يعلم لذة الوقاع ، والمكفوف ليس له بالجمال البارع استمتاع ، وغير المصاب لا يتكلم بالاسترجاع ، فماذا ينكر من محب تربى باطنه بالشوق والمحبة ، ويرى انحباس روحه الطيارة في مضيق قفص النفس الأمارة ، يمر بروحه نسيم أنس الأوطان ، وتلوح له طوالع جنود العرفان ، وهو بوجود النفس في دار الغربة يتجرع كأس الهجران ، يئن تحت أعباء المجاهدة ، ولا تحمل عنه سوانح المشاهدة ، وكلما قطع منازل النفس بكثرة الأعمال ، لا يقرب من كعبة الوصال ، ولا يكشف له المسبل من الحجاب ، فيتروح بنفس الصعداء ، ويرتاح باللائح من شدة البرحاء ، ويقول مخاطبا للنفس والشيطان وهما المانعان : أيا جبلي نعمان باللّه خليا * نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت * على قلب محزون تجلت همومها أجد بردها أو تشف منى حرارة * على كبد لم يبق إلا صميمها ألا إن أدوائى بليلى قديمة * وأقتل داء العاشقين قديمها ولعل المنكر يقول : هل المحبة إلا امتثال الأمر وهل يعرف غير هذا ، وهل هناك إلى الخوف من اللّه ، وينكر المحبة الخاصة التي تختص بالعلماء الراسخين والأبدال المقربين ، ولما تقرر في فهمه القاصر أن المحبة تستدعى